احمد ياسوف

18

جماليات المفردة القرآنية

الحميدة . لقد تحدّث علماؤنا بوضوح عن المفاهيم الجمالية خلافا لتعقيد الفلاسفة الغربيين وتناقضهم أحيانا ، كما نجد هذا في الجمال عند هيغل ومسألة المطلق والروح وأمثال هذه المصطلحات الغامضة ، أو تعلق الجمال بالحدس كما هي الحال عند كروتشه . وقد ذكروا أمثلة من الواقع الملموس تثبت صحة نظرهم ، ونخلص مما سلف إلى أن الجميل الموضوعي يعتمد على جزئيات هذا الجميل ، وهذا يقترب من مفهوم الجميل في البحث ، إذ يعتمد على حاستي البصر والسمع إضافة إلى القلب ، وهذا ما تتفق فيه الدراسات الجمالية كلّها . ولا بدّ من الإشارة إلى أن اقتران الحب بالجمال في الفلسفة اليونانية لا يمتّ بصلة إلى ما جاء عند الغزالي ، لأن الغاية عنده دينية ، ليس فيها التجريد الفلسفي وما سمي بالمثل ، كما أن حديث المسلمين عن الجمال البصري يتحدّد في الأشكال ، وفي الصور المرئية ، وليس فيه ترّهات الغرب ، وتجسيد المثل أو الفكرة المطلقة ، وما يتبع هذا من خطل وتعقيد ، وكذلك لا نحب أن نربط بين ما ذكره التوحيديّ والغزالي عن فيض الجمال على المخلوقات بما جاء في نظرية الفيض عند أفلوطين ، فنظرة علمائنا تتّسم بالأصالة ، لأنها تنبع من أصول العقيدة الإسلامية . وإذا كانت المذوقات والمشمومات والملموسات أدخل في الالتذاذ الجسدي من المرئيات والسمعيات ، فإن الجمال القرآني يثير هذه الأحاسيس أيضا ، لأنه فن قولي يتمتّع بطابع زماني لاعتماده الكلمة والنسق الموسيقى ، ومكاني بمشاهده المؤثرة في المشاعر ، ولأجل الإيغال في التأثير الحسي يحرك كلّ الحواس ، حتى إن سماع بعض الكلمات يشبه الإدراك المرئي ، فيتخذ بعدا مكانيا . والجمال القرآني متكامل من حيث الانسجام بين الشكل والمضمون فيه ، وهو لا يقدّم شكلا فارغا ، بل إن ما فيه مسخّر في نهاية الأمر لرفع مستوى الوعي الجمالي ، ومن ثمّ لتحقيق الهداية ، ومن يقرأ آياته يدرك أن الشكل